يهود الدونمة ودورهم في إسقاط الدولة العثمانية
وقيام تركيا الحديثة
المصدر: Scholem, Gershom. "Sabbatai Sevi: The Mystical Messiah".
Princeton University Press, 1973.
كيف نشأت الحركة ومن هو مؤسسها؟
تأسست هذه الحركة على يد شخصية كاريزمية تُدعى "سبتاي زيفي" (Sabbatai Zevi)، وهو حاخام يهودي ولد في مدينة
إزمير عام 1626. تعمّق زيفي في دراسة التصوف اليهودي (الكابالا)، وفي عام 1665
أعلن علنًا أنه "المسيح المنتظر" الذي سيقود اليهود لخلاصهم، واجتاحت
دعوته المجتمعات اليهودية في أوروبا والشرق الأوسط مسببة اضطرابات اجتماعية واسعة.
نظراً للاضطرابات التي أحدثتها حركته، اعتقلته السلطات العثمانية عام 1666،
وخُيِّر أمام السلطان محمد الرابع بين الإعدام أو اعتناق الإسلام، فاختار زيفي
إشهار إسلامه وتسمّى باسم "عزيز محمد أفندي". حذا حذوه الآلاف من أتباعه
المخلصين الذين أعلنوا إسلامهم ظاهرياً لحماية حركتهم، لكنهم استمروا في ممارسة
طقوسهم العبرية السرية والإيمان بـ "سبتاي" كمخلص، وهو ما عُرف لاحقاً
في التركية العثمانية بلفظ "الدونمة" والتي تعني "العائدون"
أو "المنقلبون".
المصدر: Baer, Marc David. "The Dönme: Jewish Converts, Muslim
Revolutionaries, and Secular Turks". Stanford University Press, 2010.
البنية الداخلية والانقسامات الطائفية
المصدر: Scholem, Gershom.
"The Messianic Idea in Judaism". Schocken Books, 1971.
التقاليد الاجتماعية الصارمة والتزاوج الداخلي
المصدر: Baer, Marc David.
"The Dönme: Jewish Converts, Muslim Revolutionaries, and Secular
Turks". Stanford University Press, 2010.
الطقوس العبادية والأعياد السرية
ابتكرت جماعة
الدونمة نظاماً عبادياً هجيناً يدمج بين الشعائر الإسلامية الظاهرة والطقوس
الكابالية السرية، وصاغوا لأنفسهم تقويماً طقسياً خاصاً يختلف عن المسلمين واليهود
على حد سواء. فبينما كانوا يواظبون علناً على صيام شهر رمضان وأداء صلاة الجمعة في
المساجد لدرء الشبهات، كانوا يجتمعون ليلاً في مصلياتهم السرية الملحقة ببيوتهم
الكبيرة لقراءة كتاب "الزوهار" (أبرز كتب التصوف اليهودي). ومن أشهر
وأكثر أعيادهم سرية وإثارة للجدل هو "عيد الحمل"
(Kuzu Bayramı)، والذي يُعرف في العبرية
باسم "حج هكفيش"، ويقع في الليلة الثانية والعشرين من شهر أذار العبري
للاحتفال باعتدال الربيع والتحرر الروحي؛ حيث كانت تجتمع العائلات لطهي حمل رضيع
وفق شروط طقسية محددة ويأكلونه معاً في أجواء احتفالية مغلقة جداً. بالإضافة إلى
ذلك، قاموا بقلب دلالات بعض الأعياد اليهودية التقليدية؛ فيوم "تاسع من آب" (Tisha B'Av)، وهو يوم حداد يهودي شهير
يرمز لخراب الهيكل، حولته جماعة الدونمة إلى يوم عيد وفرح عظيم وصيام بهيج لأنه
يصادف يوم ميلاد مخلصهم سبتاي زيفي، وكانت صلواتهم في هذه الأعياد تُتلى بلغة
"اللادينو" (اليهودية الإسبانية القديمة) الممزوجة بعبارات عبرية وتركية.
أهم الشخصيات المنتمية لهم
بسبب السرية الصارمة التي فرضتها الجماعة على أفرادها، فإن تتبع الأسماء
بدقة يُعد تحدياً تاريخياً، ومع ذلك برزت شخصيات محورية من خلفية
"الدونمة" لعبت أدواراً حاسمة في تاريخ أواخر الدولة العثمانية وبداية
الجمهورية التركية. من أبرز هذه الشخصيات "محمد جاويد بك"، الذي كان
خبيراً اقتصادياً ووزيراً للمالية في عهد الاتحاد والترقي وشكّل عصب الاقتصاد
العثماني المتأخر. وبرز أيضاً "الدكتور ناظم"، وهو طبيب وسياسي كان من
العقول المدبرة داخل الحركة القومية التركية الشابة. وفي مجالات الفكر والصحافة،
ظهر "أحمد أمين يالمان" كأحد الصحفيين والمثقفين الذين ساهموا بشكل فعال
في توجيه الرأي العام نحو الأفكار العلمانية والتحديثية.
المصدر: Shaw, Stanford J. "The Jews of the Ottoman Empire and the
Turkish Republic". New York University Press, 1991.
كيف انتشرت الجماعة؟
بدأت الحركة وتمركزت في البداية في مدينة إزمير، إلا أن مركز ثقلها الحقيقي
والاجتماعي انتقل سريعاً إلى مدينة "سالونيك" (في اليونان الحالية)،
والتي كانت تضم أغلبية يهودية ضخمة في ذلك الوقت. وفرت سالونيك بيئة مثالية لنمو
الدونمة، حيث عاشوا في أحياء مغلقة وأسسوا مدارسهم ومؤسساتهم الخاصة وتزوجوا حصراً
فيما بينهم لضمان عدم انكشاف سرهم. مع مرور الوقت، انقسمت الجماعة داخلياً إلى
ثلاث طوائف رئيسية نتيجة خلافات فقهية حول خلافة زيفي وهي: ( اليعاقبة، والقرقاش،
والكابانجية). وانتشر نفوذهم تدريجياً عبر شبكات تجارية ومالية قوية امتدت من
البلقان وصولاً إلى العاصمة إسطنبول، مستفيدين من مستواهم التعليمي العالي والحديث.
المصدر: Mazower, Mark. "Salonica, City of Ghosts: Christians, Muslims
and Jews 1430-1950". Vintage, 2005.
مخططاتهم وأهدافهم
تؤكد الدراسات التاريخية الرصينة أن الأهداف الأولية لجماعة الدونمة لم تكن
مؤامرة سياسية خارجية، بل كانت تتمحور حول البقاء الروحي والاجتماعي وحماية
عقيدتهم الهجينة من ملاحقة الحاخامات اليهود التقليديين الذين اعتبروهم مرتدين،
ومن شكوك السلطات المسلمة. ومع تبدل الأحوال ودخول القرن التاسع عشر، تحولت
أهدافهم نحو تبني الفكر التحديثي والعلماني بشكل مكثف؛ حيث أدركوا أن تحويل الدولة
العثمانية من دولة تقوم على أساس ديني (إسلامي) إلى دولة دستورية علمانية هو
السبيل الوحيد الذي سيمنحهم المواطنة الكاملة والمساواة، ويزيل عنهم أي تمييز أو
ملاحقة بسبب خلفيتهم الدينية المزدوجة.
المصدر: Baer, Marc David. "Sultanic Saviours and Tolerant Turks".
Indiana University Press, 2020.
علاقتهم بالحركة الصهيونية
اتسمت العلاقة بين يهود الدونمة والحركة الصهيونية العالمية بالتعقيد ولم
تكن تحالفاً منسجماً كما يصوره البعض؛ فالصهيونية السياسية التي قادها تيودور
هرتزل كانت تسعى لإقامة وطن قومي مادي لليهود في فلسطين، في حين أن الدونمة كانوا
يؤمنون بمسار روحي صوفي مرتبط بسبتاي زيفي، وكانوا ينظرون إلى أنفسهم كجزء من
النسيج التحديثي لتركيا. ورغم وجود قنوات اتصال تجارية وثقافية فردية بحكم الروابط
العائلية مع المجتمعات اليهودية في أوروبا، إلا أن جماعة الدونمة ككتلة تاريخية
فضّلت الحفاظ على نفوذها وموقعها المتميز داخل الدولة العثمانية والمشروع التركي
القومي بدلاً من الهجرة إلى فلسطين أو دعم المشروع الصهيوني الاستيطاني بشكل مباشر.
المصدر: Friedman, Isaiah. "Germany, Turkey, and Zionism
1897-1918". Transworld Publishers, 1998.
علاقتهم بمصطفى كمال أتاتورك
تأتي العلاقة المفترضة بين الدونمة ومصطفى كمال أتاتورك من البيئة
الجغرافية والثقافية المشتركة في مدينة سالونيك؛ فقد تلقى أتاتورك تعليمه
الابتدائي في مدرسة "شمس أفندي"، وهو تربوي شهير ينتمي لطائفة الدونمة
وكان يدير واحدة من أكثر المدارس حداثة وتطوراً في المدينة. وبسبب هذه النشأة
وتبني أتاتورك لاحقاً لسياسات علمانية راديكالية تتقاطع مع رغبات الدونمة في فصل
الدين عن الدولة، روجت التيارات المحافظة لفكرة أن أتاتورك
نفسه ينحدر من أصول دونمية. إلا أن المؤرخين الأكاديميين يفندون هذه الادعاءات
مؤكدين أن أتاتورك ينتمي لعائلة مسلمة عادية من البلقان، وأن التقاطع بينه وبين
الدونمة كان تقاطعاً فكرياً ومصلحياً حول بناء دولة قومية تركية حديثة وعلمانية.
المصدر: Mango, Andrew. "Atatürk: The Biography of the Founder of Modern
Turkey". Overlook Press, 2000.
دورهم في إضعاف الدولة العثمانية
ساهمت النخب المتعلمة من الدونمة بشكل فعال في الحراك السياسي الذي أدى إلى
تغيير ملامح الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين،
وتحديداً من خلال الانخراط الواسع في "جمعية الاتحاد والترقي" التي
اتخذت من سالونيك مقراً رئيسياً لها. وشاركت هذه النخب بقوة في ثورة عام 1908 التي
أطاحت بالحكم المطلق للسلطان عبد الحميد الثاني وأعادت العمل بالدستور، ومن ثم عزل
السلطان عام 1909. وبينما تقرأ الأدبيات القومية والمحافظة هذا الدور كـ
"مؤامرة داخلية" هدفت لإضعاف الخلافة وتفكيكها، يرى المؤرخون المعاصرون
أن أفعال الدونمة كانت جزءاً من حراك نخبوي عثماني أوسع سعى لإنقاذ الدولة من
الانهيار التام عبر تحويلها إلى نظام دستوري برلماني يتجاوز القيود التقليدية.
لتوضيح مسار جماعة "يهود الدونمة" وكيف
تداخلت وتأثرت بالتحولات السياسية الكبرى، نستعرض تالياً أحداثاً تاريخية مفصلية
شكلت نقاط تحول جذرية في تاريخهم وتاريخ الدولة العثمانية والجمهورية التركية.
محاكمة
أدرنة ولحظة الانقلاب
(1666)
يمثل هذا الحدث نقطة الصفر التي ولدت منها جماعة
الدونمة. عندما تعاظم نفوذ سبتاي زيفي، وأثار القلاقل بتبشيره بأنه المسيح
المنتظر، استدعاه الصدر الأعظم العثماني "فاضل أحمد باشا الكوبريللي"
إلى مدينة أدرنة للمثول أمام السلطان محمد الرابع. كانت التهمة هي إثارة الفتنة
والادعاءات الدينية التي تهدد استقرار الدولة. وخلال المحاكمة، اقترح طبيب
السلطان، وهو يهودي سابق اعتنق الإسلام ويُدعى "حياتي زاده مصطفى فوزي"،
على زيفي أن ينجو بنفسه عبر نطق الشهادتين واعتناق الإسلام بدلاً من الإعدام.
باختيار زيفي للإسلام وتغيير اسمه إلى "عزيز محمد أفندي"، أُسقط في يد
الكثير من أتباعه في أوروبا والشرق الأوسط الذين عادوا إلى اليهودية التقليدية
بصدمة، بينما آمنت مجموعة صغيرة بأن إسلام زيفي هو "تخفٍّ إلهي" ضروري
يسبق الخلاص، وهؤلاء هم من شكلوا النواة الأولى للدونمة.
ثورة
الاتحاد والترقي والمحافل السرية
(1908)
لعبت مدينة سالونيك المعقل الرئيسي للدونمة دوراً
محورياً في إسقاط الحكم المطلق للسلطان عبد الحميد الثاني. في أوائل القرن
العشرين، كانت سالونيك مدينة كوسموبوليتانية تقع خارج نطاق السيطرة الأمنية
الصارمة للعاصمة إسطنبول، وتنتشر فيها المحافل الماسونية التي تحظى بحماية
القنصليات الأجنبية (مثل محفل "مقدونيا ريزورتا"). استغلت النخب
السياسية من الدونمة، والذين كانوا جزءاً من "جمعية الاتحاد والترقي"،
هذه المحافل كملاذ آمن لعقد الاجتماعات السرية بعيداً عن أعين جواسيس السلطان. من
خلال هذه الاجتماعات المحمية، تم التخطيط لثورة 1908 التي أجبرت السلطان على إعادة
العمل بالدستور، وكان شخصيات من الدونمة مثل "محمد جاويد بك" في قلب هذه
التنظيمات التي صاغت مستقبل الإمبراطورية.
صدمة
تبادل السكان بين اليونان وتركيا
(1923)
بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب
العالمية الأولى وحرب الاستقلال التركية، وقعت اليونان وتركيا اتفاقية
"لوزان" التي تضمنت بنداً لتبادل السكان. كان المعيار الوحيد للتبادل هو
"الدين" وليس العرق أو اللغة؛ فتم ترحيل المسيحيين الأرثوذكس من
الأناضول إلى اليونان، ورُحل المسلمون من اليونان إلى تركيا. وبما أن أفراد طائفة
الدونمة كانوا في السجلات الرسمية العثمانية "مسلمين"، فقد أُجبروا على
ترك مدينتهم الأم سالونيك والرحيل إلى إسطنبول وإزمير. حاول بعض أفراد الطائفة
تقديم التماسات للحكومة اليونانية لإثبات جذورهم اليهودية بغية البقاء في مدينتهم
وممتلكاتهم، لكن مساعيهم رُفضت لعدم اعتراف الحاخامية اليهودية بهم، مما أدى إلى
اقتلاع الطائفة بالكامل من مركزها التاريخي وتشتتها في تركيا.
حادثة
"رشتو" وانكسار حاجز السرية
(1924)
عاشت الدونمة قروناً في سرية تامة، لكن هذه
السرية تحطمت من الداخل عام 1924 في حدث تاريخي هز الرأي العام التركي. قام شخص
يُدعى "محمد رشتو"، وهو من طائفة الكاراقاش (إحدى طوائف الدونمة)،
بتقديم عريضة إلى المجلس الوطني الأكبر (البرلمان التركي) يكشف فيها تفاصيل
معتقدات جماعته وطقوسهم السرية. جادل رشتو في عريضته بأن الدونمة ليسوا مسلمين
حقيقيين، وطالب الحكومة التركية بعدم دمجهم في المجتمع التركي كأتراك، وبضرورة
منعهم من التزاوج مع المسلمين أو استلام مناصب حساسة. أثارت هذه العريضة عاصفة
صحفية واسعة، وانبرى صحفيون ومثقفون من أصول دونمية، مثل "أحمد أمين
يالمان"، للدفاع عن أنفسهم وتأكيد ولائهم المطلق للجمهورية التركية
وعلمانيتها، وهو ما شكل نهاية فعلية للغطاء السري للطائفة.
محاكمات
إزمير ونهاية النفوذ السياسي
(1926)
عقب تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال
أتاتورك، بدأت عملية تصفية للخصوم السياسيين، وتحديداً بقايا قيادات "جمعية
الاتحاد والترقي". وفي عام 1926، تم اكتشاف مؤامرة لاغتيال أتاتورك في مدينة
إزمير. استُغلت هذه الحادثة لإجراء محاكمات صارمة عُرفت بـ "محاكم
الاستقلال"، والتي طالت شخصيات بارزة من الدونمة ممن كانوا يمثلون الحرس
القديم في السياسة، وعلى رأسهم وزير المالية الأسبق "محمد جاويد بك"
و"الدكتور ناظم". أُدين الاثنان بتهمة المشاركة في التخطيط للاغتيال
ومحاولة الانقلاب، وتم إعدامهما شنقاً. شكلت هذه الإعدامات ضربة قاضية للنفوذ
السياسي المنظم والمستقل لشخصيات الدونمة في تركيا الحديثة، وأجبرت من تبقى منهم
على الاندماج الصامت والابتعاد عن التكتل السياسي.
تأثيرهم حتى اليوم
في الوقت الحالي، تضاءل التأثير الديني والاجتماعي المستقل لجماعة الدونمة
بشكل شبه كامل، وتلاشت هويتهم الخاصة في المجتمع التركي الحديث. بدأت نقطة التحول
الكبرى مع اتفاقية تبادل السكان بين اليونان وتركيا عام 1923، حيث عُمل بمعيار
الدين وجرى ترحيل الدونمة من سالونيك إلى إسطنبول وإزمير بصفتهم
"مسلمين". وهناك، ذابت الأجيال الجديدة وتلاشت الطقوس السرية بفعل
الاندماج والزواج المختلط والسياسات القومية الصارمة. ومع ذلك، لا يزال مصطلح
"الدونمة" حاضراً بقوة في الخطاب السياسي والفكري التركي المعاصر، ليس
كجماعة دينية فاعلة، بل كـ "ورقة سياسية" أو كـ "مفهوم
اتهامي" تُوظفه بعض الأطراف للتشكيك في ولاء أو هوية النخب العلمانية في
البلاد.
المصدر: Bali, Rıfat N. "A Scapegoat for All Seasons: The Dönmes or
Crypto-Jews of Turkey". Isis Press, 2008.

